العمل عن بُعد كـ أسلوب حياة.

و ١٠ أدوات تساعدك في هذه الرحلة

حينما يأتي موضوع “العمل عن بعد” فإن أول ما يتبادر إلى أذهان الكثيرين أنه خيار مَن لا خيار له. أو خيار من اضُطر اضطراراً على هذا الخيار. والحقيقة، وبعد تجربة لأكثر من ١٠ سنوات أستطيع القول أن الأمر ليس كذلك. خيار العمل عن بُعد هو ليس خيار “أخير” وإنما قد يكون الخيار الأول عند البعض. وعند الحديث عن البعض، فأنا أقصد “نفسي” أولاً، إلى جانب العديد من الأشخاص والجهات التي تعاملت معها في الـ ١٠ سنوات الماضية في عملي.

في زد، العمل عن بعد جزء من بيئة عملنا منصوص عليه في دستور الشركة إلى جانب أنه خيار للموظفين الراغبين فيه وأحرص على إضافة هذا القانون في أي شركة أكون جزء منها، والأمثلة غيرنا كثير.


لماذا تعمل عن بُعد؟

الأسباب كثيرة، ولكن أبرز وأهم تلك الأسباب هو مدى مناسبة هذه الآلية في العمل مع أسلوب أو نمط حياتك. إن كنت شخص لا تفضل الدوام اليومي في ساعات محددة في مكان محدد. قد يكون هذا الخيار مناسباً لك. إن كنت شخص تفضل السفر والتنقل أو ظروفك ونمط حياتك يتطلب ذلك. فهذا الخيار قد يكون خيارك الأساسي. إن كنت شخص تفضل التركيز في العمل وتجنّب المقاطعات أو عدم العناية بمساحتك الشخصية في أوقات العمل، فهذا الخيار قد يساعدك في الحصول على مزيد من الوقت والخصوصية. إن كنت شخص ملتزم مع عائلتك وتود قضاء وقت أكثر معهم فيزيائياً - سواء كنت رجلاً أو امرأة - فهذا الخيار قد يكون مناسباً لك. تتعدد الأسباب، ويبقى السبب الأهم هو أن ليس هناك سبباً “واحد” وينطبق على الجميع. بالنسبة لي أفضّل العمل عن بعد لأسباب منها: كسر الروتين، التركيز، القدرة على أن أكون مع أهلي وأخيراً القدرة على التنقّل والسفر.


السفر لا يعني الانقطاع عن العمل

أضطررت لسنوات ماضية وسأضطر لسنوات قادمة للتنقّل والسفر، ولا أعلم ماهو سبب اعتبار كثير من الناس بشكل “افتراضي” أن كل مسافر شخص لا يمكنه العمل أو لن يتمكن من الحضور في اجتماعات أو غير ذلك. نعم، قد تكون هناك بعض التحديات. ولكن في هذا العصر، ومع توفر خدمات الإنترنت والاتصال المرئي، فإن الأمر أصبح أسهل بكثير مما نتوقع. لا حاجة لأسمع منك : “خلاص، إذا رجعت نلتقي” أو “ما أشغلك في سفرك”. خاصة إن كان السفر ليس للسياحة أو للحصول على الإجازة السنوية أو الرًبعية. اسألني : هل تستطيع الاجتماع / العمل عن بُعد؟ هل يمكن أن نتواصل عبر اتصال هاتفي؟ الحاجة للتواجد الفيزيائي مهمة، ولكن الأهم هو التواصل الفعّال ودفع الأمور للأمام.


الذي أود قوله، أن العمل عن بُعد - وتحديداً حينما أكون على سفر - يعتبر أعلى إنتاجية منه لو كان عملي في المكتب أو عن بُعد ولكن في المملكة. نظراً لغياب الالتزامات الاجتماعية أو غيرها من الأمور التي تستهلك وقتك وتركيزك. نود دائماً أن ننجز أكبر قدر ممكن من الملفات خلال العمل عن بُعد - في سفرنا - لا سيما الدسمة منها. فـ ساعدونا الله يخليكم.


هل هذه “ظاهرة” أو حالات خاصة؟

كنت أعتقد أني الوحيد المفتون بهذا الأمر، وأنه تولّد لدي حينما كنت مضطراً لتطبيقه على نفسي أثناء دراستي في الخارج وإدارتي مؤسستي ومشاريعي عن بعد (عام ٢٠٠٩ م). لكن الحقيقة، أنه بمجرد المضي قدماً والتعوّد عليه والتمكّن من بعض التفاصيل الصغيرة سيتحوّل الأمر إلى عادة أو أسلوب حياة كما ذكرت.


لست وحدي، الظاهرة بدأت في الانتشار حول العالم فعلاً. وبطريقة أقوى وأكثر حتى أن بعض الجهات تسمح بتوظيف موظفين بدوام رسمي ويكون عملهم عن بُعد.


وعلى الرغم أن مفهوم العمل عن بُعد سابقاً كان مقتصراً فقط على “تقليل التكاليف” وكان محصور فقط في المهام المتمحورة حول التعهيد الخارجي Outsourcing مثل مراكز الاتصال أو الدعم الفني لدول مثل : الفلبين، مصر أو الهند. تحوّل الآن بشكل جاد ليس لتقليل التكاليف، وإنما للبحث عن الكفاءات مهما كان ثمنها ومهما كان مكانها. فالنقص في توافر الكوادر معضلة عالمية تعاني منها كل الجهات. ولكن عندما طرح خيار العمل عن بعد، فتح بعض الآفاق ويبقى التحدي فقط في الوصول لتلك الكفاءات ومن ثم إقناعها في الانضمام.


لم أكن أعلم أن الأمر بهذه الجدية، حتى تعاملت مع موقع TopTal وهو متخصص باستقطاب الكفاءات حول العالم. ووجدت من خلال العمل مع الموقع لاستقطاب كفاءات عالية الكفاءة في تخصصات نادرة، أن بعضهم كان يعمل في شركات معروفة جداً عالمياً، وتوقفوا عن العمل لدى تلك الشركات لأنهم لم يعودوا مهتمين بأمرين :

  • أن يكونوا موظفين لدى جهة واحدة فقط (وهذا موضوع آخر)

  • يودون العمل عن بعد والسفر حول العالم


  • عن بُعد
  • المنزل
عن بُعدالمنزل

في بريطانيا قد تصل نسبة العاملين عن بعد من إجمالي القوى العاملة إلى ٥٠٪ بحلول العام ٢٠٢٠ م

Office of National Statistics (ONS)

ماهي أبرز التحديات التي ستواجهك؟

هنا أوجّه رسالتي ليس لأصحاب العمل، ولكن لكل شخص بدأ في العمل عن بعد أو تسوّل له نفسه في العمل عن بُعد واتخاذه كـ أسلوب حياة. هناك مجموعة من التحديات التي ستواجهك، خاصة إن كنت شخص مسؤول عن فريق ولست فرد في فريق. سأذكرها بشكل مختصر، لأن بعضها لو استطردت فيه سأحتاج إلى تدوينات :

  • قرار العمل عن بُعد قرارك، لذا، يجب عليك تحمّل مسؤوليته. وأعني بذلك : لا تستخدمه أبداً كـ عذر أو حجة للتأخير أو التسويف. سيكون من المعيب عليك أن تستخدم كلمة “أنا أعمل عن بعد” لتكون أقل إنجاز أو تتغيب عن اجتماع أو غيرها من الأمور التي في الغالب لن تفعلها لو كنت تعمل عن قرب.

  • مسؤولية التواصل سترتفع أضعاف ماكانت عليه سابقاً، وفي الغالب ستقع على عاتقك. في الغالب الناس تشعر وتحس بمن هم حولها ومن تراها. مسؤولية التواصل والبقاء في الدائرة لشخص يعمل عن بعد هي مسؤوليته نفسه. اطلب أن تكون جزء من الاجتماعات الخاصة بالفريق، كُن على تواصل مستمر مع الفريق. لا تركز فقط على أداء مهامك المطلوبة منك أو إدارة فريقك. سيكون عليك عبء إضافي في أن تكون “موجود” والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هو في أن تتواصل بشكل فعّال.

  • تمكّنك من التقنية والأدوات التقنية أمر لا بُد منه. لأنك لو لم تفعل ذلك، فسيتحول العمل بعد إلى “جحيم”. والتقنية والتمكن منها تبدأ من إيجاد اتصال بالإنترنت يكون ممتاز ومستقر. سواء كان ذلك في منزلك أو في المقهى أو في مكتبة الجامعة القريبة أو غيرها. ثم تأتي الأدوات المختلفة، للمراسلة وللتواصل بشكل كتابي أو مرئي ومن ثم تأتي الأدوات الأخرى في مشاركة الملفات ونحوها. ستجد الكثير من الأدوات والمصادر الرائعة لذلك.

  • فارق التوقيت “مشكلتك” وليس مشكلة الطرف الآخر أو فريقك. قد تضطر في بعض الأحيان أن تصحى مبكراً قبل “الشروق” للاجتماع بأحدهم. ومن المهم جداً أن يعرف الآخرين - لا سيما فريقك - التوقيت لديك ليكونون على دراية بمتى سيكون الوقت مناسباً للاجتماعات المباشرة.

  • العمل عن بعد لا يعني أبداً انقطاع التواصل المباشر أو الآني. في كثير من الأحيان ستحتاج أو سيحتاج فريقك إجابات لبعض الأسئلة الطارئة أو السريعة، من المهم أن يعرفوا متى ستكون متواجد بشكل فعّال أون لاين. هذا الأمر مهم جداً خاصة إن كنت تعمل عن بعد في فريق ولست تعمل عن بعد على نظام “مهام” أو “عمل حر freelancing “.

  • انتبه من الانخراط التام في العمل ونسيان نفسك. قد تنزلق هذا المنزلق وتصبح على الدوام “تعمل” بدون أن تشعر. خاصة إن كان مقر عملك منزلك. أنت بحاجة إلى إدارة نفسك ووقتك، وإعطاء نفسك حقها وكذلك أسرتك / أصدقائك. حتى وإن بدى لك طعم الإنجاز جميل، ولكن الدخول في دوامة لا منتهية من العمل بدون توقف، سيفقدك مع الوقت من البهجة في الأمور الأخرى التي تستمتع فيها بوقتك، وقد تصل بك المواصيل إلى الزهد بتلك الأوقات. احذر وكن صارم مع نفسك.


هل يعني ذلك أننا لن نعمل “عن قرب” ؟

أبداً. إلى جانب الاجتماعات الدورية للفرق، فإن لا شيء يتفوق على اللقاءات المباشرة والتعرف عن قرب على الفريق. لازلت أتذكر لقائي بـ Dao (مبرمج تايلندي على نظام vbulliten عملنا عن بعد سوياً لمدة تزيد عن ٤ سنوات) والتقينا في مدينة بيرث في أستراليا. أو لقائي بالأخ خالد لافي، من غزّة بعد ٣ سنوات عمل عن بعد. وغيرهم الكثير. اللقاء قد يكون فقط للحديث والمتعة أو قد يكون للعمل عن قرب لفترة أو لعقد ورشة عمل.


شخصياً، أحرص عند تواجدي في مقر الشركة أن يكون معظم وقتي للاجتماعات أو جلسات العصف الذهني مع الفرق المختلفة. لا أتوقع من نفسي أن أنجز المهام المتعلقة بي عندما أكون أعمل عن قرب. ماهو الحل؟ التعويض مساءًا أو الصباح مبكراً قبل بدء الدوام.


لا أحب الحصول على مكتب ثابت سواء كان طاولة أو مكتب مغلق. ويعتقد البعض أني أمزح أو أنكّت حينما أقول أن ليس لدي مكتب أو مكان. ولكن هذا هو الحال، وليس حالي أنا فقط بل هذا الوضع الطبيعي لكثير من الناس الذين يفضلون العمل عن بُعد أو حتى العمل من المنزل.