على الرغم من جمال أمثالنا العربية وقوة توصيلها للمعاني في كثير من الأحيان ، إلا أن نسبة كبيرة منها يحتاج أن نعيد النظر في معانيها ، خاصة تلك الأمثال التي تلقى رواجاً وتتحول إلى أشبه ما يكون بالقرآن المُنزل فمردديها لا يكفون عن استخدامها كدليل وبينة ضدك وضد ما تقوم به من أفعال .

في هذه التدوينة سأناقش واحداً من تلك الأمثال وهو مثل دارج جداً في المملكة العربية السعودية ، وكثيراً ما يتردد في المجالس وفي – المقابلات الوظيفية – وهو “ صاحب الصنعتين كذاب “ .

يُطلق المثل للدلالة على أن الشخص لا يمكنه أن يجمع بين عملين مختلفين ويكون جيد في كليهما . الأسباب الداعية لذلك قد تكون كثيره أبرزها : المقدرة على التركيز أو أن – الله لم يخلق رجل من قلبين في جوفه ! – كما يزعم من يستدل بهذا المثل .

والحقيقة أني أختلف بشكل كبير مع هذا الأمر ، وأجد أن كثير من الناس يُعطل طاقاته ويهدر الكثير من وقته خوفاً من أن يقنع ضمن هذا التصنيف .

بالتأكيد لا أقصد هنا أن يتحول الشخص إلى – بتاع كلو – حيث لا يتردد عن عمل أي شيء وكل شيء ، ولكن التعدد في المهام وقدرة الشخص على ذلك أمر مُمكن جداً وفي متناول اليد .

سأورد بعض الأمثلة والأسباب تباعاً هنا ، بعضها من تاريخنا وتراثنا العربي والبعض الآخر من العالم الغربي .

عمر الإنسان طويل جداً لكي نمضيه في شيء واحد فقط . تعدد الاهتمامات وتعدد الوظائف – حتى وإن كانت متقاربة جزئياً أو متباعدة كُلياً – يُعطي الإنسان مُتعة وفرصة لتغذية عقله وروحه والحصول على شعور الإنجاز – الذي سيزيد في حال تعدد الوظائف والمهام – .

العائق الأهم في سبيل الوصول للوصول إلى تعدد الوظائف قد يكون الاستغراق في اللحظة الحالية وعدم تنظيم الوقت والأولويات في حياة الشخص . فتجد كثير من الناس ، يحصر عمله ونشاطه الذهني في وقت الدوام الرسمي فقط . وحين الانتهاء يؤثر أن يمضي معظم وقته في الترفيه باقي اليوم – كل يوم – . أنا هنا لا أطالب بأن نتحول إلى آلات وإلى مدمني عمل ، وإنما الذي أدعو له هو الترشيد في تمضية الوقت في اللعب واللهو – أو الفلة – .

غياب مفهوم تعدد الوظائف ، غيب فكرة ومبدأ – العمل الجزئي/ الإضافي لدينا – فكثير من الناس يكتفي بوظيفته الأساسية ذات الدوام الواحد ولا يفكر في الحصول على وظيفة جزئية – ولو كانت لساعات بسيطة يومياً – . على النقيض تماماً ، في الغرب يندر أن تجد طالب في الجامعة أو موظف في بداية حياته يعمل في وظيفة واحدة . هذا الأمر مهم ليس فقط في تحفيز الجانب الذهني ، بل في زيادة الدخل والحصول على مبلغ إضافي يساعد الشخص على تدبير شؤون حياته .

الأمر الأخير ، كثير من علماء الأمة المتقدمين برعوا في العديد من العلوم بل وصل الحال ببعضهم إلى أن ألفوا مؤلفات في تلك العلوم على الرغم من اختلافها .  البديع في الموضوع هو أن هذا التنوع أضاف لمسة جمالية رائعة تجلت في ربطهم بين تلك العلوم بشكل رائع ونادر .

خلاصة القول :

صاحب الصنعتين ليست متهماً حتى تثبت براءته ، بل برئ حتى تثبت إدانته بالتقصير في شؤون حياته وعمله .

الوسوم:


[ شيء في نفسي ]

    14 تعليق

  1. محمود:

    السلام عليكم
    شكرا على المقال الجميل و فعلا يوجد امثال كثيره تحتاج تغيير. بشكل عام
    اوافق بقوة بشرط ان تكون الصنعه الثانيه ليست اساسيه اي كما ذكرت هي عمل جزئي أو هوايه أو حتى مساعده أو عمل تبرعي و هذا أكيد سيكون مفيد جدا للشخص و للمجتمع. ولكن الضرر ان يكون الصنعتين مصدر الدخل الرئيسي و تكونا في مجالات متباعدة أو متضادة مع بعضها و بالتالي تسبب اهمال في الصنعه الأولى او الثانيه او كلتاهما معا وهذا حصل او يحصل في يعض الدول العربيه (كأن يكون استاذ جامعي و يعمل سائق تكسي بعد الدوام) و في هذه الحالة يكون هناك شيء خطأ في المجتمع ككل سواء من الحالة الاقتصاديه او غيره و لكن هذا موضوع اخر.
    مع التحية
    محمود

  2. هيفاء الرشيد:

    شكرا مازن
    أتفق معك ولعلي أضيف أن الصنعة الأخرى قد تكون تطوعية كمهام ادارية بسيطة لمركز خيري أو مجموعة تطوعية، فإن مثل هذه الأعمال تزيد خبرتك العملية بالإضافة إلى توسيع شبكة معارفك الاجتماعية social network

  3. ...:

    جميل جدا
    اتفق معك تماما فيما قلت
    قد يكون الشخص متعدد المهارات لكن الأهم جودة ما يننج ..

  4. يمام:

    يقول صمويل جونسون :
    ” قليلة هي الأمور التي يستحيل تحقيقها على الاجتهاد و المهارة
    فالأعمال العظيمة لا تتم بالقوة ، بل بالإصرار ” .
    .
    و على ضوء هذه المقولة و مقالتك أضيف
    ‫:‬
    ❖ تحويل نقاط الضعف لإيجابيات :
    و هذا مُهم جدا لمن هو في طَور التدريب أو في بدايات العمل المهني
    فكثيرا ما نرى من يتخاذل عن إتمام مهامه بشكل جيدلسبب وحيد
    و هو عدم التقبل أو ربما الإصرار على مهارة ومهنة متفّق عليها ذهنيا في وقت مبكر ..
    و لأن الوقوف لأجل هذا يُعطل ولا يجدي نفعا
    فاستغلال السلبيات في محيط العمل أو الدراسة و الإصرار على تجاوزها وتغييرها هو الغاية و الخطوة الصحيحة في مسار الإنجاز الحقيقي ..
    لأن الايجابية المأثورة من “موضع ضعف” تعدّ انجاز و دعم معنوي إن لم يتبعه دعم مادي كذلك ..
    و هذا مما يحدّ من هدر الوقت بشكل روتيني و غير مفيد على عمل غير مرغوب به .
    ❖ أؤيدك فيما يخص التشتت في ممارسة كم كبير من المهارات كما أنه من الضروري عدم الفصل بين ما يمارسه منها بشكل كلي
    فهذا مما يدعو لتعطيل جدواها بشكل تدريجي !
    و هو برأيي قد يعوق إنتاجية الفرد سواء كان في عمله – دراسته أو في مهاراته خارج حدودها 🙂

    هذا ما لدي ..
    شكرا لك على إمتاعنا 🙂

  5. نوفه:

    أوافقك الرأي
    أعمل في أكثر من مجال مختلف
    كالتسويق الالكتروني + التدقيق اللغوي+ مجال الكتابة
    ولا أرى أنني اخفقت في مجال أو تذبذب عطائي على حساب مجال
    ربما أبرع بجانب على حساب جانب آخر
    لكني أجيد العمل فيها كلها
    لذا هذه المقولة تجانب الصواب
    شكرا لك

  6. danger zone:

    كلام سليم وتفسير جميل
    فعلاً نحن بحاجة الى زيادة في المعلومات والمهارات بالاضافة الى الدخل
    وربما الوظيفة الثانية تكسبك مهارات تفيدك في الوظيفة الاولى
    لكن اتساءل هل كل شخص مهيئ ليكون صاحب صنعتين أم هناك استثناءات؟
    وهل هذا النظام نستطيع تطبيقه هنا؟
    بمعنى ( حنا لاقين الوظيفة الاولى عشان ندور على الثانية) D:
    هل بمقدورنا محو الجملة السابقة أم ستتخلد للأبد ؟

  7. حلم:

    أرى أنها مقولة للكسولين
    جميل أن يبدع الإنسان بأكثر من عمل حتى لو تفاوت إبداعه في البعض فهذا شيء طبيعي …
    ومثل ما كتبت منها زيادة دخل وإستفادة من الوقت وخبرة
    وغير أنك تشعر بأن لوجودك قيمة 🙂

  8. SM:

    خلال حياتي لم اجد شخص واحد يقوم بعمل واحد 🙂
    فالمثل كان مثل سرده انسان يريد ان يهدا باله في فترة وجد نفسه في وقت فراغ فجأة ,,

  9. Pingback: ريادة الأعمال .. ليست سهلة ! (٢-٢) « مدونة مازن الضرّاب

التعليقات